ابن نجيم المصري
45
البحر الرائق
محمد أرجح من جهة المعنى ، وقدمنا التفصيل في اشتراط وجود الرائحة ، وأن المسافة إذا كانت بعيدة فالشرط وجودها عند التحمل لا الأداء وهو المراد بقوله لا لبعد المسافة . وقدمنا أن وجود الرائحة لا بد منها ، سواء كان قد شرب الخمر أو سكر من نبيذ . وقول الزيلعي وأشار في الهداية إلى أنه لا يشترط غير صحيح لأنه قال أولا ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاؤوا به وهو سكران ، وثانيا فإن أخذه الشهود وريحها توجد أو سكران وكونه سكران مغن عن اشتراط وجود الرائحة إذ لا يوجد سكران بغير رائحة ما شربه . وأما إذا وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها فلانة يحتمل أنه شربها مكرها أو مضطرا والرائحة محتملة أيضا فلا يجب الحد بالشك . وأشار إلى أنه لو وجد سكران لا يحد من غير إقرار ولا بينة لاحتمال ما ذكرنا ، ولاحتمال أنه سكر من المباح . وفي الظهيرية : شهد أحدهما أنه شربها والآخر أنه قاءها لم يحد ، وإذا شرب قوم نبيذا فسكر منه بعضهم دون البعض حد من سكر ، وأما إذا رجع عن الاقرار فلانه خالص حق الله تعالى فيعمل الرجوع فيه كسائر الحدود . وهذا لأنه يحتمل أن يكون صادقا فصارت شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ، وأما إذا أقر وهو سكران فلزيادة احتمال الكذب في إقراره فيحتال للدرء لأنه خالص حق الله تعالى . وأشار إلى أن كل حد كان خالصا لله تعالى فلا يصح إقرار السكران به ، وإن ما لم يكن خالصا لله تعالى فإنه يصح إقراره به كحد القذف لأن فيه حق العبد والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كما في سائر تصرفاته . والحاصل أن إقراره بالحدود لا يصح إلا حد القذف ، وإقراره بسبب القصاص وسائر لحقوق من المال والطلاق والعتاق وغيرها صحيح لأنها لا تقبل الرجوع . ولذا إذا أقر بالسرقة ولم يقطع لسكره أخذ منه المال وصار ضامنا له ، وأما ارتداده فليس بصحيح فلا تبين منه امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر . قال في فتح القدير : هذا في الحكم ، أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكرا لمعناه كفر وإلا فلا . وفي التبيين : وعند أبي يوسف ارتداده كفر ، ذكره في الذخيرة . وأما إذا أسلم ينبغي أن يصح كإسلام المكره اه . وفي فتح القدير : إن إسلامه غير صحيح وقيد بالاقرار